كل هذه المحطات تكشف عن حيوية أطر التجمع المغربي رغم عصا القمع وشدة الحصار المضاعف والمتواصل، وعن قوة إرادتهم وعزمهم على مواصلة النضال حتى انتزاع حقهم الدستوري المشروع في التوظيف. وبالمقابل تكشف أن لا شيء جديد في تعاطي أجهزة الدولة مع مطالبنا: تدخلات أمنية متواصلة، وحوارات شكلية، ووعود وهمية، ولا شيء يلوح في الأفق سوى عصا القمع والمنع والحصار. محطات وجدت صداها في مختلف المنابر الإعلامية الوطنية والدولية.
• رابعا : شهيد التجمع المغربي للأطر العليا المعطلة

هو محمد سعيد الجرتي، الذكر الوحيد لأسرته من مواليد مدينة طنجة سنة 1979، يتيم الأب، أخ لثلاث بنات، كان على وشك عقد قرانه شهر أبريل 2009. لكن المنية عاجلته وكان ما شاء الله. كان الأمل الوحيد الذي تعول عليه أسرته لضمان ظروف العيش الكريم و الانعتاق من عدم الاستقرار المادي، خاصة و أنه المعيل الوحيد لأسرته التي هي في أمس الحاجة لمد يد العون و المساعدة. محمد سعيد الجرتي كان مثالا للشاب المنضبط، المتزن، ذو أخلاق عالية، يشهد له بها جميع أصدقائه ومعارفه، كثير الصبر، عديم الشكوى...
كان مثابرا في دراسته، قوي العزيمة و الطموح، التحق بوحدة البحث والتكوين في تاريخ شمال المغرب المتوسطي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، في إطار الدراسات العليا. حصل بموجبها على دبلوم الدراسات العليا المعمقة سنة 2007 تخصص التاريخ. مباشرة بعد حصوله على هذا الدبلوم التحق المرحوم بالرباط حيث اندمج في صفوف المعطلين حاملي الشواهد العليا، قصد الحصول على وظيفة تنشله من براثين العوز والعطالة. ليستمر في النضال رفقة زملائه أكثر من سنة إلى أن عاجلته المنية في أواخر سنة 2008 بعد معاناة طويلة جراء ظروف النضال الصعبة والحالة النفسية المتأزمة التي عاشها نتيجة ظروف العطالة والفقر.
كانت ظروف الوفاة مفاجئة سواء بالنسبة لعائلته، معارفه وأصدقائه، وخلفت هذه الفاجعة حزنا عميقا في نفوس الجميع. وفاة مؤلمة للغاية بعيدا عن أهله ومدينته، كان ذلك صبيحة يوم الخميس 18 دجنبر 2008 بفندق بسيط اعتاد المعطلون النزول به. وفاة كان من الصعب على زملائه إخبار أهله وأسرته بها خصوصا أمه وأخواته وخطيبته... إذ نزل عليهم الخبر كالصاعقة و ترك أثرا عميقا في نفوس أفراد أسرته خاصة أمه التي كان أكثر قربا و ارتباطا بها وهو الابن البكر والولد الوحيد لديها.
وتم تشييع جثمان الفقيد في موكب جنائزي رهيب حضره جم غفير من المعطلين والمقربين الذين أبوا إلا أن يحضروا جنازته، وقد قدر عدد المشيعين بأكثر من 400 مشيع.
لتختم مراسيم تشييع الجنازة بقراءة بيان تأبيني أشيد فيه بخصال المرحوم مع الدعاء له بالغفران والرحمة، وأن يسكنه الله فسيح جناته، مع الدعاء لأهله بالصبر والسلوان.
• خامسا : معتقل التجمع المغربي للأطر العليا المعطلة

حميد فؤاد من مواليد إقليم زاكورة بتاريخ 30/07/1981. حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في الآداب العربي سنة 2007 التحق بالتجمع المغربي بتاريخ 02/01/2008. بعد سنة ونصف من النضال في صفوف التجمع المغربي للأطر العليا المعطلة في شوارع الرباط تعرض في سابقة خطيرة من نوعها يوم الأربعاء 14 يناير 2009 لاعتقال تعسفي وهو يمارس حقه الدستوري في التظاهر والاحتجاج، إلى جانب زملائه ضد البطالة والتشريد في تجاوز خطير لكل الأعراف والقوانين الدولية والوطنية. تم احتجاز الإطار ليلة كاملة في دهاليز مخفر الشرطة ليعرض على النيابة العامة صبيحة يوم الخميس 15 يناير 2009، وتبدأ سلسلة المحاكمات الصورية المشبوهة بتهمة ضرب أحد رجال الشرطة ومحاولة إسقاطه من فوق دراجته النارية. حيث حددت الجلسة الأولى بتاريخ 21 يناير 2009، وأجل النظر في القضية إلى تاريخ 15 أبريل 2009، ثم إلى تاريخ 20 مـاي 2009 ليتم تأجيلها مرة أخرى إلى تاريخ 23 شتنبر 2009.
كل هذه التدخلات القمعية الممنهجة والحصار الأمني المتواصل، لن ترهب ولن تثني أطر التجمع المغربي عن مواصلة نضالها المشروع. سنستقبل العاصفة بصدور عارية حتى النهاية لأن النضال كالبحر الهائج لا يعبر أمواجه إلا من امتلك نفسا طويلا ورؤية قادرة على استشراف الأفق البعيد، أفق التوظيف و الكرامة.